عن الحياة التي سُرقت مني

عن الحياة التي سُرقت مني

قام بالتدقيق النحوي لهذا المقال صديقتي الغالية: روية البار

يٌمكنني تقسيم عمري القصير إلى: مرحلة ما قبل ٢٠٠٦ ومرحلة ما بعد ٢٠٠٦
في عام ٢٠٠٦ قُمت بإجراء ثلاث عمليات متوالية إحداهن أُجريت في الولايات المتحدة الأمريكية واحتجت بعدها إلى ثلاثة أشهر حتى أستطيع العودة إلى ممارسة الحياة بشكل مستقل وكامل ..هذه الثلاث عمليات كلفت عائلتي الكثير ماديًا ومعنويًا..خصوصًا وبأن هذه العمليات صاحبت انتصار السرطان على جدي في معركة قصيرة جداً لم تتجاوز الستة أشهر
كان عامًا رماديًا كما يمكنكم أن تتصوروا ..في هذا العام الخريفي كدت أخسر ثمانية عشر ربيعًا قد سقاها والديٓ ومُعلمي بالإيمان واليقين وحُب الحياة !
لم تكمن صعوبة التجربة في المرض والفقد ..رغم أن كليهما لم يكونا سهلين بأي شكل من الأشكال ..لكن أصعب ما واجهت في هذا العام هو شفقة من حولي من هذه (العين)التي أصابتني ولم تُصلي على النبي كما كانوا يكررون !..أصعب ما واجهت هو التعامل مع تحذيرات العائلة من ممارسة أي وجه من وجوه الحياة الجالبة للعين !..نعم سُرقت مني الحياة بحجة الحفاظ على الحياة من العين.

مشكلة العين ليس في أنها شمّاعة يُعلّق عليها الكثيرون أخطائهم ..لو اقتصرت مشكلة العين على ذلك لكان هينًا بالنسبة لي كشخص نشأ وتربى بشكل مرضي ومبالغ فيه على السيطرة والتخطيط وبذل الجهد ..مشكلة العين بالنسبة للشخصيات المُصابة بهوس السيطرة تكمن في أنها تُعطي تبرير ملموس لظواهر لا تُبررّ ولا يُمكن السيطرة عليها كالمرض والموت!
فالعقل المُبرمج كعقلي على التخطيط المسبق وتفكيك الظواهر إلى أجزاء والتأمل فيها ينساق بسهولة إلى فخ العين عندما تقوم العائلة بتقديم سيناريو وهمي كان مُسببًا للموت أو المرض مثلا: أصبت بعين بعد حديثك عن مشروعك أمام شخص فاشل يعاني من فراغ .وبالتالي لحماية نفسك من المرض احتفظي بمشاريعك سِرًا في المرة القادمة !
نعم حجة العين يصاحبها قلقٌ وراحةٌ في ذات الوقت ..قلق بأن هناك شخص ما في هذا العالم تُلاحقك عينه القوية أينما ذهبت لتصيبك وراحة بأنه يمكنك فعل شيء حيال هذه المشكلة ..يمكنك أن تتفادى هذا الشخص ..وفي أسوأ الحالات إذا كنت تعيس الحظ واكتشفت بأن العين التي تصيبك هي عين أحب الناس إلى قلبك في تلك الحالة ..ببساطة تفادى الحياة !
لا تُسافر ..لا تُنجز ..لا تلبس ..عش معزولا وغاضبًا على هذه العين الفارغة التي لا تشبع ..اقفز فزعا في كل مرة ينسى أحدهم قول ما شاء الله عند مدحك ! ..أو إذا كنت ماهرًا في التمثيل فعش حياتك ككذبة..افعل ما تريد دون أن تشارك فرحته من تحب ..اكذب بشأنه وأخبر الآخرين كم أنت مسكين ومبتلى!

وبما أني في ٢٠٠٦ كنت فاشلة جداً في تفادي من أحب وفي تفادي الحياة ..وكنت فاشلة أيضاً في التمثيل !..وقعت في تأنيب ضمير شديد لإحساسي بمسئولية جرّ عائلتي نحو كل هذه المتاعب المُصاحبة لعملياتي ..وقعت في حفرة مظلمة من الحُزن واللوم وكأن مرضي لم يكن ابتلاءً أحمد الله عليه وإنما كان ذنبًا علي أن أستغفر الله منه..فبعض من أفراد عائلتي قالها صريحة أمامي بأني أجيب العين لنفسي باستعراض نعم الله علي أمام ضعاف النفوس.

لم ينقذني من هذا الحُزن إلا تساؤل قادني لبديهية بسيطة جدًا…ماهو الإيمان بقدرة الله وحفظه إذا لم يكن كافيًا لحمايتنا من العين؟ ما هو التحصين وأذكار الصباح والمساء إذا كنّا مضطرين إلى المداراة والكذب حتى لا نُصاب بالعين؟ كيف يمكن أن يكون المرض تمحيص وقرب من الله إذا كُنا نتعامل معه على أنه محصلة اجتماعية وقرار بشري من فارغي العيون؟ هذه التساؤلات حررتني من غير أن أجيب عليها…أبادت كل الحجج التي يرددها المجتمع ابتداءً من أن العين حق ومرورًا بأن أكثر أمتي يموتون بالعين وانتهاء باليقين بأن كل مُجتمع مبتلى بمجموعة من الحُساد. نعم العين حق ولست في موضع لأتحقق من صحة هذا الحديث ولا أحتاج لذلك هُنا لأن العين حق لا تعني بأي شكل من الأشكال بأن الحاسد يملك قوة وقدرة على التأثير عليك أو على صحتك. تعني بأن الله قد يُرسل لك ابتلاءً على هيئة عين كأي ابتلاء يكتبه الله على أي عبد وكل الابتلاءات هي محبة في أشكال مختلفة.

أحاديث كحديث الرسول صلى الله عليه وسلم للغلام: ( يا غلام ، إني أُعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ). حديث كهذا الحديث كفيلٌ بأن يمنح قلبي أجنحة ليُحلق من جديد بدون مخاوف غير منطقية..حديث كهذا يغسل القلب من الشك والغضب.

والتأمل في أدعية أذكار الصباح والمساء واستشعار معانيها والإيمان بها يُهمش الخوف ويجعل هذا العالم مكان أكثر أمنًا وطمأنينة. الكرم واللطف الالهي الذي تتضمنه هذه الأدعية لا يقتصر على ضمانة الحفظ من العين والسوء وانما تتعدى لتقديم ضمان للعبد بحياة مليئة بالرضا والطمأنينة والمفاجآت الربانية اللامحدودة.

أصبح التعامل مع العين عندي بفضل الله كالتعامل مع المرض جزء من الابتلاء الطبيعي الذي هو جزء من الحياة الدنيا ! كانت حقيقة أن العائن لا يملك قوة ضرري أو نفعي حقيقة عظيمة مُحررّة من كل الممارسات التي تحول بيني وبين ممارسة الحياة بطولها وعرضها وأتذكر دائماً رد الدكتورة يمان طنطاوي رحمها الله على طالبة أخبرتها بأنها حسدتها وتسببت في مرضها ..قالت لها كيف عرفت أنك السبب في مرضي ؟! فأخبرتها الفتاة بالموقف الذي أعجبت فيه بالدكتورة دون أن تذكر الله ..فقالت الدكتورة يمان ..وإن افترضت أن ذلك صحيحا(رغم أني لا أستطيع الجزم) فإن الله قد كتبه عليّ أولا وأخيرا وهو الأقدر على شفائي وعافيتي !

من منكم يعيش هذه الثقافة في عائلته والمجتمع من حوله؟ من منكم يتملّكه هذا الخوف من العين؟ من منكم تخلص من هذا الخوف أو ربما لم يشعر به يومًا ؟

شاركوني خبراتكم فقد يسقي إيمانكم إيماني وقد يساعد الحديث عن تجاربنا مع الخوف في تقليص الخوف والقضاء عليه…علقوا في المساحة المخصصة أدناه.

16 Comments

  1. سبحان الله !!
    أختي رفاه ما تكلمت عنه من علاقة بين العين و التحصين هو حوار دار بيني و بين أشخاص يعزون علي كثيرا كانوا أحيانا يلومونني في بعض تصرفاتي . أتفق مع ما كتبت ورغم أن العين الحق و لكن الأذكار حصن لنا و ينبغي ألا نجعل منها “بعبعا” يمنعنا من الهدف الأسمى للحياة وهو ” عمارة الأرض”

    دمت بصحة و عافية و سلامة
    مريم جمال الحارثي

    Reply
    • مريم ..اشتقت لكم جميعًا بنات الحارثي
      شكرًا لتعليقك ..فمن المريح ان نكتشف أن هناك آخرون مثلي يدخلون في نقاشات حول العين ويحاربون الوسوسة بشأنها
      دمت في حفظ الله

      Reply
  2. العين حق ولكن ما يفعله أفراد مجتمعنا من المبالغة ونسب كل مصيبة في حياتنا لها ليس من الحق في شيء

    Reply
    • ندى ..وجودك هُنا كرم وقرب ودعم لا يُقدر بثمن
      الله لا يحرمني منك أبدًا

      Reply
  3. ابنتي الحبيبه العين حق ولكن المبالغه فيها تؤدي للوسوسه ودايما تذكري قول الله تعالى ( قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا )

    Reply
  4. اعتقد انه بدلا ما ان يكون الخوف من العين او عدمه دافعا لإظهار او اخفاء النعم، على كل واحد منا التفكير بصدق عن نياتنا وعن ما يرضي الله، فالمجتمع عندما يتعود أصحابه على الكذب وإخفاء النعمة غلب عليه طابع الاكتئاب والسلبية. وأما عندما ننشر صورنا في كل ثوب جديد ومشترواتنا واولادنا وسفراتنا ووجباتنا ومناسباتنا في انستقرام فيجب ان نسأل نفسنا اذا كان هذا بدافع الإعجاب بالنفس والغطرسة. الحافظ هو الله وقد أعطانا الأدعية والقرآن التحصين ولكن بخصوص التعامل اليومي مع الناس يجب ان نضع نصب أعيننا ان توازن بين “فأما بنعمة ربك فحدث” و (من لبس ثوب شهرة البسه الله ثوب ذل وهوان”

    Reply
    • إيمان ..
      شكرًا لإضافتك المُهمة على المقالة ..جميل أنك كمّلتي المقالة بفكرة جديدة 🙂

      Reply
  5. حبيبتي وأختي القريبة إلى قلبي جدا
    محنتك وتعبك كان امتحانا لكل فرد من العائلة .. عندما اتذكر تلك الأيام وكدرها ينتابني شعور بالفخر والعزة .. فخر بصبر رفاه وتحملها الصعب بطريقة أرقى من أن يُصور .. بشكل لا يناسب إلا مؤمنا متعلقا واثقا بخالقه .. وفخر بعائلتنا ككل .. نعم كان امتحانا تخرج كل فرد فيه حاملا معاني المؤازرة والمواساة .. واثقا بأن هناك من سخره الله له ليسانده في شدته ومرضه أو على الاقل تعلم منكِ كيف يكون الصبر في المحنة..
    صراحة لم اعلم بالحياة التي سلبت منكِ بغير وجه حق .. وصراعك الداخلي وشعورك البشع بالذنب .. تحملتِ قبله وبعده آلاما أشد من آلام جسدك النحيل..
    كما يقال بعد كل مرض وشدة .. حمدا لله على سلامتك قلبًا وقالبًا ..

    Reply
    • إسراء اختي الحبيبة ..القريبة من القلب
      ردك أبكاني ..دعمكم لم يكن محدودًا وسأظل دائمًا ممتنة لوقوفكم بجانبي في ذلك العام !
      الله لا يحرمني منكم

      Reply
  6. Unfortunately we have created a monster and this monster is living in our mind sets.
    Nothing more liberating than believing that anything that will happen to us will be for our own good, no matter how severe or bad it is.

    Reply
    • Shahd ..I miss you so much 🙂 and I agree with you in every word
      hugs and love

      Reply
  7. عزيزتي رفاه..كتاباتك رائعة لغةً و مضموناً..سعيدة جداً باكتشاف مدونتك..دمت بود..و صحة و عافية..

    Reply
  8. حقيقة أن الانسان خلق في هذه الحياة في ” كبد ” وأن حوله الكثير من ا؟لأرواح “الخبيثة” سواء كانت بشرية أو من الجن .. ترافقها حقيقة أن الله لم يتركنا هملا بلا حماية منه بل علمنا أن ندعوه ونلوذ به ونتحصن بذكره تبارك وتعالى صباحا ومساء .. حين نعلم كل ذلك وجب علينا أن نحيا حياتنا كما ارادها لنا الله بإيمان كامل بأنه وحده هو القادر على نفعنا والاضرار بنا فهو النافع الضار سبحانه .. و أن نحيا بإيمان تام بالقدر خيره وشره وأن المسيير لهذا القدر هو نفسه الرحمن الرحيم الذي ماخلقنا ليشقينا ولا ابتلانا إلا ليرحمنا .. فطب نفسا .. أخي المؤمن أختي المؤمنة .. وعيشوا حياتكم بكثير من الايمان وليكن شعارنا في هذه الحياة ” إن الله معنا ” .. دمتم مؤمنين .

    Reply
  9. للأسف يؤرقني هذا الموضوع !
    أصبح فوبيا العين مرض منتشر عند كثير من أفراد المجتمع :/
    كنّا مرة في احتفال لختمة صديقتنا القرآن الكريم و كان الاحتفال بسيطًا نوعا ما
    طبعًا كانت المناسبة من أسعد المناسبات والكل أخذ يلتقط الصور لتخليد الذكريات و لوضعها على أحد شبكات التواصل الاجتماعي
    إلا أن بعض الحاضرات نهرونا عن ذلك بحجة أن الناس قد تحسدنا على كثرتنا 😐
    أليس من الطبيعي أن يكون الاحتفال فيه الكثير من الناس !
    لماذا لا نرى الموضوع كتشجيع الغير لحفظ القرآن أو من باب قوله تعالى (وأما بنعمة ربِّك فحدّث)

    Reply
  10. This is a most useful cobtoinutirn to the debate

    Reply
  11. Afonso,of course it is wishful thinking. At this stage. We have also radical therapy with the heaps of corpses of your neighbours. And the Arabs all over the world expecting Iraqis to display a love for Saddam. Even in the West.We should stop pretending we know everything. The final scenario can be something very different. The best way is anticipating maximum varieties of oumtoces/solutions.None of us is able to define next stages.

    Reply

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *