إلى شخص في يومه الدراسي الأول

إلى شخص في يومه الدراسي الأول

الآلاف وربما الملايين استيقظوا اليوم ليذهبوا لمدارسهم لأول مرّة..ليلتحقوا بنظام تعليمي في احد الأماكن في العالم وانت اليوم منهم ! احتفل بذلك..وحاول ان تثق بنفسك وان تهدأ من روعك فهذا المكان الذي يبدو مخيفًا وكبيرًا اليوم ستعتاد عليه كمنزلك. هذا المكان سيشهد الكثير من اللحظات المفصلية في نموك كإنسان.. كاللحظة التي ينطلق فيها لسانك بالقراءة ..واللحظة التي تخط فيها سطرك الأول. واللحظة التي تكتشف فيها بأنك تهتم لصديق لا يهتم بك …وبأنك قادر على اختراع نُكت عن احد زملائك تجعل باقي الفصل يضحك. واللحظة التي تلمع فيها عيناك إعجابًا بمعلم.. والتي تقع في حُب مادته.. الكثير من الأشياء المهمة التي ستتعلمها مثل كيف ترفع يدك بالسؤال..وكيف تنتظر صديقك حتى يُكمل كلامه لتبدأ بعده..كيف ترسم نجمة وتقف في إذاعة الصباح لتقرأ مقالة. استمتع بكل ذلك..اضحك حتى تؤلمك بطنك من الضحك..تقاسم مع أصدقاءك الضحكات المكتومة في وجه معلميك.. ستجري في ساحة المدرسة ..وتسقط وتقوم مرة أخرى وانت تضحك…ستقاسم مصروفك وشوكلاتك مع أصدقاءك ..ستفعل الكثير من الأشياء الجميلة الاّ انك ستفقد الكثير بانضمامك لهذا النظام التعليمي يا عزيزي في المدرسة قد تتوقف عن أسئلتك الكثيرة لأن وقت المعلمة ضيق ولا يتسع لفضولك. من المحتمل ان تنسى كيف تخترع قصصك وكلماتك الخاصة ومغامراتك الجريئة؟! لأن خيالك الذي يجلب لك الدهشة في المنزل ..قد يسبب لك الاحراج في المدرسة وقد يُضحك عليك زملاؤك. شيئًا فشيء ستكتشف بأنك لا تستطيع ان تُمارس موهبتك كممثل، او كمغني..او كرسّام لأن معلمتك ستقول لك بأن عليك ان تكبر وتهتم بدروس التاريخ والجغرافيا والرياضيات وجميع المواد التي تحبها ولا تحبها بالتساوي لأن ذلك ضروري للحصول على شهادة لائقة. وبعد سنوات، المدرسة التي منحتك معجزة القراءة والكتابة ..ستحدّ من استخدامك لهذه المعجزة.. وستعمل جاهدة لتثبيطها.. ستملأ وقتك بقراءة كتب منهجية...
احذروا الأحلام المعلبة

احذروا الأحلام المعلبة

لا أخطر على صحتك من الأكل المُعلّب سوى الحُلم المعلّب الذي مهما كان كبيرًا ونبيلاً إلاّ أنه مضرّ على صحتك النفسية والعقلية. رغم أننا كثيرًا ما نظن بأن لدينا الحُرية بأن نحلم كما نُريد وكثيرًا ما نُردد اعجابنا بالقدرة اللامتناهية للعقل البشري في أن يحلم ويتخيل ويضع أهدافًا فريدة، إلا أنه في الحقيقة يحاصرنا المجتمع في كل عصر وفي كل مرحلة بأحلامٍ مُعلبة جاهزة التنفيذ والسعي. الأحلام المُعلّبة هي الأحلام التي تُقدّم لنا عنوةً وعدوانًا على أنها المعيار والنموذج الأفضل للأهداف والطموحات. في الجيل الماضي كان الحُلم أن تحصل على وظيفة حكومية، تتزوج، ثم تبني أو تملك منزلاً وبذلك تكون وصلت. وعلى عكس الأكل المعلّب، في حين أن المجتمع اليوم يشجع الأكل العضوي النظيف إلا أنه في مجال الأحلام المعلبة مازال يتعامل مع من يختار حُلمًا أكثر أصالة وفردية على أنه غير كفء أو متهور أو فاشل. نحن مضطرون لإرتداء أحلام ليست على مقاسنا ولا على ذائقتنا لإرضاء من حولنا. كل جيل يفرّض أحلامًا على أبناءه ثم يبدأ بقياس جدراتهم واستحقاق عيشهم على هذه الأرض بقدر تبنيهم وسعيهم لتحقيق هذه الأحلام. وأيضًا من كل جيل تُولّد مجتمعات وطبقات تفرض تشكيلة من الأحلام المعلبة كشروط للإنتماء وللحصول على هوية هذا المجتمع. كشخص نشأ وتربى مع مجتمع صُنّاع الحياة والصحوة ثم كبر ليجد نفسه منفتحًا لكافة أطياف الطبقة المتوسطة المثقفة عاصرت مجموعة من الأحلام التي كانت معروضة للارتداء وللتبني والتي شخصيًا حاولت كثيرًا العيش مرتدية بعضًا منها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أحد الاحلام التي انتجتها الصحوة هو أن يصبح كل منّا داعية وفقيهًا حتى وإن كان الشخص يمقت الحديث أمام الجماهير ولا يحب الخطابة. مشكلة هذه الاحلام الأساسية في أنها تلاحقك بالاحساس بالعار والعدمية إذا حاولت الانعتاق منها. دائمًا ستقابل...
أستطيع أن أسمع صوت ضحكات الناس عليّ

أستطيع أن أسمع صوت ضحكات الناس عليّ

شيء يدور داخل بطني ..يشبه المغص لكنه ليس بمغص…حلقي ناشف..قلبي يدق بسرعة..أشعر بأني مصابة بمتلازمة النظر الى الجوال كل خمسة ثواني…ادور في المنزل بشكل عشوائي..اختبئ تحت اللحاف واشعر بالحماس والطفش في وقت واحد..اعود للنظر الى الجوال مرة أخرى..أقوم بتحديث صفحة الفيسبوك والمدونة للمرة المليون..استطيع أن أسمع صوت ضحكات الناس عليّ..يسيطر علي شعور يشبه السباحة في المحيط: فيه شيء من حماس المغامرة مع الانهاك على حافة الغرق! نعم هذا ما يحدث داخلي حين أنشر أي تدوينة ..لذلك أنا غالبًا أهرب من مواجهة ما أكتب بعد أن أنشره…أكتب ثم أخرج وأتعمد أن أحمل معي جوالي ببطارية غير مشحونة.. أو أنشر ثم أدخل اجتماع مهم. بعد مرور الساعات الأولى من النشر يتبخر هذا القلق وأمتلأ بالإحساس بالرضا بأني قمت بالتعبير عن نفسي وبأني مارست سلطتي على الحياة عبر الكتابة…بأني أمسكت بالحياة في يدي للحظة دون أن تفلت ..تذوقتها ..أضفت عليها مقاديري التي تُناسب مزاجي ..وتذوقتها من جديد كما أحب. نعم الكتابة هي أحد أشكال السُلطة والتمرد على اللحظة ..على السائد ..على الذات ! أنا اليوم أدّون عن احساسي قبل النشر وبعد النشر وأثناء النشر..أكتب ذلك لنفسي ..لأني أريد لهذه المشاعر أن تتجمد ..أن أبرّوزها في ذاكرة الوجدان حتى أتذكر -(في كل مرة تحاول جيوش الشك والفشلة والخوف أن تأكل حرفي وفكري)- بأن مشاعر الغرق بعد النشر موجودة ..ولا مشكلة في الاعتراف بالخوف ..وأني أعرف جيدًا كيف يجف الحلق وتتسارع نبضات القلب وكيف أن متلازمة النظر إلى جوالي ممتلئة بالشفقة ..لكن كل ذلك ثمن رخيص لشعور السيطرة اللذيذ الذي تمنحه الكتابة ..للإدرينالين الذي يسري في جسمي من إحساس التمرد والمغامرة الذي يُولد مع الحرف. لا أعرف عنكم ..ولست متأكدة إن كان ذلك فيه شيء من المُبالغة بالنسبة لكم أو لا…لكني أواجه طوفان من...
ليسوا جميعًا خالة سعدية

ليسوا جميعًا خالة سعدية

كُنت في مصلى أبراج زمزم في أحد ليالي العشر الأواخر أنتظر آذان المغرب..جلست بجانبي امرأة ذات بشرة داكنة بلون الشوكولا وابنتها، فرشتا سجادتيهما وجلستا ..نظرت إليهما قلت في نفسي : “أووه تُشبه خالة سعدية ..عاملة النظافة في المدرسة صاحبة الوجه المليح الذي يحكي لك كيف يُمكن للكفاح والمعاناة أن تخلقا شخصًا مُحبًا للحياة وحنونًا على الجميع!” أخرجتا من حقيبتيهما ما يستعدان به للفطور..عُلبة تمر ..ماء..وأنا مُستمرة في التعمق في فكرتي عنهم..قوم خالة سعدية ..البسطاء ..الفقراء لكنهم الأغنياء بالمشاعر أووه معهم علبة تمر كاملة ..نعم خالة سعدية تفعل ذلك لكرمها فهي ستوزع على من حولها الآن افترضت بأنهم ليسو من ساكني الأبراج بل ربما حصلتا على كرت لدخول المصلى من فاعلة خير..وقلت في نفسي هؤلاء الفقراء الأتقياء الذين يغفر بهم الله لنا جميعًا نظرت للسيدة وابنتها من جديد..سألت البنت : أتريدين تمر؟ لأن التمر الذي أملكه يختلف عن النوع الذي يملكانه. ردت الابنة:..I am sorry I don’t understand Arabic تفاجأت..إنها ليست كخالة سعدية .. رددت: Is this your first time here وامتد الحديث لأكتشف بأن الأم وابنتها يسكنون نيجيريا لكنهم من طبقة متوسطة متعلمة، يتحدثون الإنجليزية ويستخدمون التقنية. تبين لي كذلك بأن الابنة متضجرة من فوضى الحرم وأنها تناضل مثلي ــ للانتصار بلحظة خشوع صافية. امتد الحديث لأتذكر للمرة المليون بأن أفريقيا ليست دولة بل قارة وبأن ليس كل ذي بشرة داكنة هو من قوم خالة سعدية وببساطتهم. وأن الأفارقة ليسوا جميعًا فقراء ينتظرون معونتنا ليبتسموا أمام كاميراتنا برضا. كان المسجد الحرام فُرصة لتأمل المسلمين من كافة بقاع الأرض وأشكالهم ومستوياتهم الثقافية والاقتصادية لكنها ليست المرة الأولى التي أجد نفسي في موقف يُبعثر صناديق التصنيف في عقلي ويهزّ الصور النمطية المعلّقة على جدرانه. في سنوات ابتعاثي تعرضت لمواقف كثيرة من...
عن الحياة التي سُرقت مني

عن الحياة التي سُرقت مني

يُمكنني تقسيم عمري القصير الا مرحلة ما قبل ٢٠٠٦ ومرحلة ما بعد ٢٠٠٦.

في عام ٢٠٠٦ قُمت بإجراء ثلاث عمليات متوالية كلفت عائلتي الكثير ماديًا ومعنويًا. خصوصًا وبأن هذه العمليات صاحبت انتصار السرطان على جدي في معركة قصيرة جداً لم تتجاوز الستة أشهر.

رسالة إلى الطفلة بداخلي

رسالة إلى الطفلة بداخلي

إلى الطفلة التي تسكنني..إلى تاء التأنيث فيها ..إلى الحُرة التي تتعامل مع مفهوم الأنوثة على أنه سر تُحاول اكتشافه بشغف غير آبهة بقوائم الحلول التي يُقدمها لها المُجتمع..تتعامل معه على أنه أحجية تستمع بحلها دون النظر إلى الصورة الكاملة المطبوعة على العلبة من الخارج. أعرف بأن رسالة كهذه قد تُشعرك بالإهانة ..فأنت المُتمردة التي تمد لسانها ساخرة في وجه الصورة النمطية للأنثى ..التي تشعرين بالشفقة على نقاشات النساء في الصوالين… النسوية بالفطرة التي وُلدتِ  لهذا العالم بنظرة لا مُبالية تقول فيها أعرف محدوديتك..شكرًا لن أدخل هذا الصندوق الوردي الذي جهزّته لي!..أعرف بأن بداخلك طفلة صوفية في حُبها لأنوثتها وأخرى ثورية في تمردها على تعريف المجتمع لهذه الأنوثة .. أنت كالقروية التي تعيش بسلام متوازنة بين ثوريتها ودلالها..تضارب التُجار في السوق صباحًا وتلعب بالحنّاء مساءً ! نعم كبرتِ في يديك ألعابٌ نارية وقلم وورقة وتجارة حلوياتٍ في سكن الجامعة…لكن هذا لم يمنعك أن يكون لديك حقيبة مليئة بعرائس الباربي ! ..والآن حقيبتك تحتوي على قارئ إلكتروني وجوال يمتلئ بمكالمات مُهمة ودفتر فيه أفكارٌ عن المقاومة وفلسطين والحُرية والحقوق ولكنها أيضًا تتسع لكريم لترطيب يديك وعطر وعدة أقراط ذهب تختبئ في جيوبها ! نعم أنت اليوم أنضج من ذي قبل وكثير من المفاهيم لديك أكثر اتزانًا…أنا أثق بك جدًا لكن إليك هذه الخمس الدروس التي تعلمناها معًا عبر السنين أنا وأنت ..حتى تتذكريها جيدًا عندما تنعتك إحداهن بالمتمردة أو الغريبة أو تُنقص من أنوثتك شيئًا ! حتى تتذكريها جيدًا في المرة القادمة التي تجلدين فيها ذاتك وتصفعين فيها قلبك بقسوة لتقصيره…حتى تتذكريها جيدًا عندما تحتاجينها. أولاً: أن الأمور تجري على ما هي عليه الآن ليس لأنها صحيحة دائمًا، بل ببساطة لأننا لم نتوقف لاختبار صحتها أو أهميتها ولم نتجرأ على تغييرها....